سردية المشهد اللوني في {ثلاثية اللوحة الفارغة}

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشنونا/

أشواق النعيمي

حين يكون مؤلف الرواية فنانا يعيد تشكيل الواقع بصريا، ينحو المتن السردي نحو النزوع التصويري متسربلا بهواجس اللون وغوايات الضوء والعتمة. حينئذ تتسيد اللوحة الفنية مسرح الحدث وأروقة الحكاية وزواياها البؤرية متمركزة في تلافيف النسيج الروائي عنونة وموضوعا. تصطبغ رواية ((ثلاثية اللوحة الفارغة )) للروائي عبد الرضا صالح  بالتفاصيل  الدقيقة لحيوات شخوصها حين تأخذ حركة ريشة السرد مسارات إيقاعية متزنة في وصف المنظورات الشيئية والحدثية .

يختار المؤلف لهندسة بنائه الرواية السيرية، مؤلفها الافتراضي شخصية تجمع بين الفن التشكيلي والأدب الروائي، وبهذا تتطابق الشخصيتان المؤلف الحقيقي والورقي من ناحية الاتجاه الفني والأدبي والانتماء الجغرافي ومماثلة الواقع الاجتماعي، ما يوسم الرواية بالصبغة  البيوغرافية. وظف السارد الفنان خبراته الفنية وإمكاناته الحرفية من دقة الخطوط وتوليف الألوان ومناطق الظل والضوء وزمن إتمام اللوحة، مازجا في وصف البورتريه بين الصوري والحسي: ( نظرت إليها نظرة أولية أتفحص قسمات وجهها ومناطق الضوء والظل عليها ، وضعت لطخات من الألوان على اللوحة ، ثم رسمت حدود الوجه بألوان خفيفة في وسط الفورم ، واغترفت بفرشاتي كمية من اللون الذي مزجته ، ورحت أعمل بذائقتي الفنية متسارعا)(117) طبعت شخصية المؤلف بصمتها على المتن الذي انماز بالروح الرومانسية والوصف الشفاف لموجودات الطبيعة وحركية بعض المقاطع السردية ذات الشطحة الخيالية المستقاة من عوالم الف ليلة وليلة، إضافة إلى أن السارد يعترف بتأثره  ببغداد، المدينة التي قضى فيها مدة دراسته واصفا إياها بمدينة السحر وحاضرة الأنس مستوحيا أجواء حكايات الف ليلة وليلة بقصورها وحسانها وفنونها ومجونها وقصصها الغريبة مستنكرا ما أصابها من عبث وهتك ودمار. تعد رواية المخطوطة غير المكتملة بسبب مقتل البطل في تفجير إرهابي  (اسكتشا) للوحة زيتية رسمها كغلاف لروايته الرابعة، وهي لوحة تقابلية بثلاث زوايا. تقابل كل زواية من زوايا اللوحة مرحلة من حياة الفنان. وفي كل زاوية دائرة تحايد وجها أنثويا وشم أثره على تلك المرحلة تمثل الدائرة الأولى في الجهة اليمنى البعد الأول، مريم، عشقه الأول، علاقة بريئة طاهرة، حب نقي جارف  مشوب بالخوف والوجل. لذا عبر عنه بالأبيض لون النقاء والبراءة والنور في وسط ممتد كصحراء حسب تعبير السارد  اختار أن تكون بلا معالم تعبيرا عن مصير العلاقة المجهول في مجتمع عرف بقساوة تقاليده وأعرافه. أما الوردة البيضاء المتساقطة الأوراق وسط الأفق فهي محبوبته مريم التي تعرضت للتعذيب لإكراهها على الزواج. والظلال الرمادية ما شاب تلك العلاقة من عوارض أحالت دون الارتباط والفراق الأبدي تمثلت برفض والده القاطع والذي خيره بينه وبين محبوبته في مواجهة غير متوقعة، قرر على أثرها مغادرة البيت إلى بيت الجد. تمثل الدائرة الثانية البعد الحياتي الثاني، ديدكا الغجرية صاحبة الشعر الذهبي، ابنة صاحبة النزل الذي كان يسكنه في بلغاريا حيث كان يعمل لذا اختار لتلك الزاوية من حياته تلال الثلج للدلالة عن تلك البلاد الباردة . يتناسب قرص الشمس الأصفر المشبع بالبرتقالي مع المرحلة العمرية التي اتسمت بالنضوج والانطلاق الغريزي وبهجة وعبثية أجواء العلاقة التي استمرت لثلاث سنوات، التي حال دون استمرارها عودته إلى أرض الوطن والزامية الخدمة العسكرية، فكان الفراق واسدال الستار عن البعد الثاني . تعبر الدائرة الثالثة عن البعد الحياتي الثالث، زينب،  والحب الواعي المتأني الذي ولد في مرحلة النضوج العقلي والفكري ونما في ظل التكافؤ الاجتماعي والمهني مجسدا إياها بالمساحات الخضراء والماء الدافق في إشارة إلى مرحلة ربيعية مفعمة بالحيوية والتجدد. تلك هي الوجوه الثلاثة التي بصمت حياة الفنان على اختلاف المستوى الزمني، وجوه متشابهة وكأنها خلقت من طينة واحدة تدرجت في مراحل عمرية مختلفة لتكون أبعادا ثلاثية للوحة فنية واحدة وظف من خلالها شفرات اللون وايحاءات الطبيعة بمكوناتها المورفولوجية . أما الزاوية في أسفل اليمين، البعد الرابع في اللوحة فقد تركها فارغة بلطخ لونية داكنة تستدل على المرحلة المعتمة من حياته. الوجه الرابع، المرأة المتصابية زوجة مدير السجن الذي كان مختار معتقلا فيه، التي استغلت كونه سجينا لاشباع رغباتها الجنسية الجامحة متجردة من جميع القيم الخلقية والإنسانية. هل أراد مؤلف “ثلاثية اللوحة الفارغة” أن تكون شخصية مختار صورة حية  تنطق بانكساراته ومعاناته، مسلطا في ذات الوقت الضوء على مراحل تاريخية من حياة الانسان العراقي في ظل السياسات المستبدة والموت المجاني الذي يحصد أرواح ضحاياه كل يوم .

أخبار ذات صلة

0 تعليق

http://www.onlinecasino.to/review/bitcoincasino-us/