قصص قصيرة جداً

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشنونا/

حسن السلمان

يوم ساكن

لم تفارق ذهنه صورة الرأس المقطوع الذي شاهده أسفل عربة محترقة عقب انفجار حزام ناسف في سوق الطيور.. رأس صغير بعينين مدورتين، نصف مفتوحتين، ومنقار مثلوم .. عبثا أراد أن يبعد عن ذهنه صورة سرب الحمامات التي كانت تحلق في السماء الصافية في ذلك اليوم الساكن، بلا رؤوس…

كرسي كانوا متحلقين حول مائدة الطعام حينما هزّ انفجار عنيف العمارة السكنية التي يشغل فيها الأستاذ عبد العظيم شقة في الطابق الأخير… نهض من المائدة وتوجه نحو النافذة.. ثمة أعمدة دخان تتصاعد في الأفق الغربي لسماء العاصمة.. قبض على قلبه دقيقة ونظر إلى أحد كراسي المائدة الخالي.. حمل الكرسي إلى سطح العمارة وألقى به إلى الأرض…

يوم طويل في الساعة الثامنة إلا عشر دقائق صباحاً، انفجرت سيارة مفخخة في الشارع القريب من منزل الست خديجة.. اهتزت أرضية المنزل وتحطم زجاج النوافذ وتساقطت الصحون والأقداح من على رف مطبخها.. في الساعة الثامنة إلا خمس دقائق أمسكت بيد طفلها المتوحد وانطلقت به إلى المدرسة.. كانت النيران وأعمدة الدخان تتصاعد من هيكل السيارة.. لم تنظر إلى السيارة والناس الذين هرعوا إلى موقع التفجير.. كانت تحاول الوصول إلى المدرسة في الوقت المحدد وهي تخوض في ركام من الحجارة المتطايرة، وشظايا الزجاج المتكسر، وقطع الحديد المتناثرة، وأشلاء الضحايا الذين امتزج دمهم مع مياه الأنابيب المتفجرة مكوناً بركاً بلون النيران… في ذلك اليوم الدموي الطويل، انتظر طفل الست خديجة طويلاً عند باب المدرسة، علَّ ثمة من يعيده إلى البيت…

ميت قديم اشترى الحاج عبد الكريم العطّار ستة أكفان على عدد أفراد اسرته وتجاهل أن يشتري لنفسه كفناً.. عندما سألوه، لماذا لم تشتر لنفسك كفناً ياحاج، هز رأسه وأجاب غامزاً : ما أصنع بالكفن وأنا ميت قديم…

الخاتم انشغل الناس بالبحث عن ذويهم بين حطام السقوف والجدران المنهارة والأجساد المتفحمة.. كانت تجلس على الرصيف بشعر أشعث، وعينين فارغتين، وقدم حافية.. تارة تنزع الخاتم، وتارة تعيده إلى أصبعها…

عطش اسرعت الجَدّة برمي طاسة ماء وراء حفيدها الذي غادر المنزل.. حتى ساعة مغادرتها للحياة الدنيا ظلت تشعر بعطش شديد..

امرأة النهر طوال مكوثه في غرفة الإنعاش وهي تتخذ من النهر سكناً.. ذات غروب، ثمة من جاءها وأخبرها أن تترك النهر.. رفضت وبقيت مرابطة على ضفة النهر.. نقلوا فقيدها إلى مثواه الأخير.. تعاقبت الفصول، وفارق الحياة من فارق، وهي لاتريد أن تصدق بأن انبياء الماء ايضاً يكذبون…

حصاد سرفات دبابات تحصد حقل سنابل قمح تحت سماء غائمة.. نساء يرفعن اذيال تنوراتهنَّ ويركضن خلف الدبابات ومناديل رؤوسهن تخفق مع الريح.. جنود يلوحون للنساء بأكفهم التي بدت أصابعها طويلة ونحيفة من بعيد.. تختفي الدبابات من الشاشة، وتبقى النساء يركضن ويركضن.. يصحو من النوم، ويجد نفسه متربعاً على بيدر من الهموم…

كرة النار فوق كرة نار ملتهبة، ثمة صفيحة ماء طائرة.. من بين الدخان والرماد ولفاع امرأة تنطلق كأنها موجة هائجة، ثمة طفل بفم مفتوح على آخره، ظل يتابع الصفيحة التي تابعت طيرانها حتى توارت بين طيات سماء، لها شكل كرة نار ملتهبة…

الكلب عبرتُ جسر المشاة المعلّق والكلب ورائي.. دخلت شارعاً تحيط به شجيرات الآس والكلب ورائي.. صعدت السلّم المؤدي إلى شقتي والكلب ورائي.. اغلقت الباب ونمت والكلب ورائي.. حلمت بامرأة سوداء جميلة تجلس تحت ركائز كوخ عائم على ساحل البحر.. اقتربتُ منها فنَبحتْ .

أخبار ذات صلة

0 تعليق