تعاون إقليمي لمواجهة الكارثة

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشنونا/

مشرق عباس - الحياة
كل التطمينات التي حصل عليها حول امنه المائي المهدد من تركيا وإيران غير دقيقة، وهي محاولات ذات طابع سياسي فقط تحاول تهدئة الأوضاع، وعدم استثارة الرأي العام العراقي، الذي شعر للمرة الأولى بالكارثة المحدقة التي كان تشغيل سد «أليسو» مجرد تمرين لها.

ففي الوقت الذي تعمل تركيا على بناء سد على كل قطرة ماء تنبع من أراضيها خلال السنوات العشر المقبلة، يقول سفيرها في بغداد إن بلاده لا تسعى إلى إيذاء الشعب العراقي، وفيما تقطع إيران بشكل ثابت ومتواتر كل مجرى مائي ينتهي إلى الأراضي العراقية ضمن استراتيجية واضحة المعالم، يؤكد المسؤولون فيها أنهم داعمون للأمن المائي للعراقيين.

واقع الحال أن الكارثة التي تحيط بنهري دجلة والفرات حاضرة ومهيمنة ومؤكدة، وأن تلك الكارثة يشجع عليها غياب أي التزام من دول المنبع باتفاقات الأنهار الدولية، وتقاعس وتهاون الحكومات العراقية المتعاقبة، ما يفتح الباب لصراعات قادمة يتم التحذير منها بشكل ثابت من قبل مراكز القرار الدولية.

وكمبدأ أول، فإن محاولة إقناع العراقيين بأن السدود وعمليات تغيير مجاري الروافد التي تدخل ضمن أسس الاستراتيجيات التركية والإيرانية للسنوات المقبلة هي «مشاريع صديقة» أو أنها يمكن أن تكون صديقة، غرضها تحميل تبعات الأزمة وحلولها على عاتق الأجيال القادمة.

لو قدر للعراق وكذلك سورية أن تكون لهما استراتيجيات مستقبلية فعالة، بعد الحروب الطاحنة التي خيضت على أراضيهما، فيجب أن تكون قائمة على أساس اعتبار مشاريع دولتي منابع النهرين «عدائية» و«جديرة بالتصدي لها على المستوى الوطني والشعبي»، وان لا تنتهي تلك الاستراتيجيات قبل توقيع اتفاقات تقاسم ملزمة وطويلة الأمد وضامنة لحقوق جميع الأطراف بمياه النهرين.

إن العراق كبلد يقع في قلب تصادم حاد للقوى الإقليمية على أرضه وحدوده، سيكون عليه إنتاج رؤية جديدة لإدارة الأزمة، لا تقف عند حد الاستمرار في الضغط والتصعيد الشعبي والرسمي ضد دولتي المنبع، بل تجاوز ذلك للحديث عن تسخير إمكانات الدولة العراقية لترشيد الاستهلاك والهدر في مياه النهرين، وإعادة صوغ البرامج الزراعية والإروائية وتغيير نمط الزراعة للتعامل مع واقع جفاف تفرضه اعتبارات مناخية متغيرة، وصراع طويل الأمد على الحقوق مع الجيران.

في هذا الصدد ثمة ثلاثة اتجاهات وتجارب إقليمية قد تكون إطار المرحلة المقبلة، يمثل الأول فتح آفاق تعاون استراتيجي مع المملكة العربية في مجال تجربة الزراعة التكاملية وتقانات الري، حيث يمكن تشجيع اهتمام رجال الأعمال السعوديين بالاستثمار في المجال الزراعي خصوصاً في حدود الصحراء العراقية التي تهدد بالتوسع السريع خلال السنوات المقبلة، والثاني تمثله التجربة الأردنية في مجال الاستثمار والتقنين المائي السليم، والثالث يمثل الأفكار الكويتية للاستثمار في مجال تحلية مياه دجلة والفرات قبل تبددهما في الخليج.

ان المساعي لمواجهة الجفاف العراقي لا يمكن أن تكون مهمة وزارة عراقية او حكومة، بل يجب أن تتشكل لجنة عليا لهذا الغرض، تمنح الصلاحيات اللازمة، لإدخال الاستثمار الخارجي في المجالات المتعلقة بالزراعة ومشاريع الري والتحلية والزراعة الصناعية وتوليد الطاقة الكهربائية وغيرها على وفق تسهيلات مختلفة عن تلك التي يحددها قانون الاستثمار العراقي.

الحديث عن مواجهة الأزمات العراقية بالطريقة التي جربت وفشلت مراراً خلال السنوات الماضية، غير مجد، وغير فعال للمستقبل، وعلى المسؤولين العراقيين الخروج سريعاً من معتزلاتهم «الواتسابية» و«الفيسبوكية» و«التويترية» لمواجهة الحقائق على الأرض، ومناقشة مستقبل البلاد، واستثمار طاقتهم التي يتم إهدارها هذه الأيام في تصريحات هدفها التخفيف من مخاوف العراقيين ومنع استثمار أزمة «اليسو» في صراع تشكيل الحكومة.

وحتى موعد اتخاذ خطوات فاعلة، فمن الجدير تذكير الشعب العراقي ومصارحته، بأن الخطر قادم لا محالة، لن تبدده كلمات أردوغان المعسولة، ولا تعهدات الباسمة، وأن العمل يجب أن يبدأ تحت ضغط القلق الشعبي ليكون عملاً منتجاً، وقابلاً للتطبيق.

أخبار ذات صلة

0 تعليق